الشيخ السبحاني

61

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

للموجودات الأرضية ومنها الإنسان ، فيجب أن يكون لها إشراف دائم على المدبّرات ، واتصال دائم بالعالم السفلي الذي يقع تحت تدبيرها ولكنه لا يجتمع مع الأفول والغروب ، لأنهما يستلزمان غيبة المدبّر عن مدبّره بالفتح وجهله بحاله ، فيكون دليلا قاطعا على عدم كونها مدبّرة للموجودات الأرضية . ولأجل أنّ شرك عبدة الأجرام كان شركا في الربوبية والتدبير نرى أنّ إبراهيم يستعمل في طرح عقيدتهم وردّها لفظ « الربّ » . يقول سبحانه حاكيا عنه : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي « 1 » . وقال أيضا : فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي « 2 » . فاستعمل لفظة « الربّ » فيهما وفي غيرهما من الآيات الواردة في احتجاجه مع المشركين ، ولم يستعمل كلمة « الخالق » ، للفرق الواضح بين التوحيدين وعدم إنكارهم التوحيد الأول وإصرارهم على الشّرك في الثاني . وأمّا لفظة « الرّب » في لغة العرب فهي بمعنى المتصرف والمدبّر والمتحمل أمر تربية الشيء ، وكأنه بمعنى الصاحب . وهذه ، أعني التدبير والتصرف ، من لوازم كون الشخص صاحبا ومالكا . فربّ الضيعة يقوم بأمرها ، وربّ البيت والغنم يقوم بالتصرف اللازم فيهما . وباختصار ، إنّ في زعم المشركين أنّ مقام الخلق غير التدبير وأنّ الذي يرتبط باللّه إنما هو الخلق والإيجاد وأمّا التدبير فيتعلق بموجودات أخرى غير اللّه سبحانه وتعالى . فهي المتصرفات فيه وقد فوّض إليها تدبير عالم الطبيعة ، وليست للّه تعالى أية دخالة في أمر تدبير الكون وإدارته وتنظيم شؤونه والتصرف فيه . هذه حقيقة الشّرك في التدبير ووجه الفرق بينه وبين الشّرك في الخالقية

--> ( 1 ) سورة الأنعام : الآية 76 . ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 77 .